محمد سعيد رمضان البوطي

121

فقه السيرة ( البوطي )

فلما أرادوا الانصراف بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين ، فكان يسمى مقرىء المدينة . العبر والعظات : أرأيت كيف بدأ التحول في طبيعة ما كان يلاقيه النبي صلى اللّه عليه وسلم طوال هذه السنوات التي خلت من عمر بعثته صلى اللّه عليه وسلم ؟ . لقد أينع الصبر ، وبدأ الجهد يثمر ، واستغلظ زرع الدعوة وأخذ يستوي على سوقه ليعطي النتيجة والثمار . ولكن ، فلنلتفت مرة أخرى - قبل البحث عن الثمرة والبشائر - إلى طبيعة ذلك الصبر النبوي العظيم ، أمام كل تلك الشدائد المختلفة الجسام . لقد رأينا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يقصر الدعوة على قومه من قريش الذين لم يألوا جهدا في إذاقته كل أصناف المحن والمصائب ، بل كان يدخل بين القبائل الآتية من خارج مكة من شتى الجهات والأطراف بمناسبة موسم الحج ، فيعرض نفسه كدلال عليهم ويدعوهم إلى بضاعة الدين وكنز التوحيد ، ويذهب ويجيء بينهم فلا يرى مجيبا له ، روى أحمد وأصحاب السنن والحاكم وصححه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول : « هل من رجل يحملني إلى قومه ، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي ؟ ! . . » « 1 » . إحدى عشرة سنة ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم - بأبي هو وأمي - يعاني من حياة لا راحة فيها ولا استقرار ، تتربص قريش في كل دقيقة منها بقتله ، وتصب عليه ألوانا من المحن والشدائد ، فلا ينقص ذلك شيئا من عزيمته ولا يضعف شيئا من قوته وسعيه . إحدى عشرة سنة ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم يعاني من غربة هائلة مظلمة بين قومه وجيرانه وكافة الجماعات والقبائل المحيطة به ، فلا ييأس ولا يضجر ولا يؤثر ذلك على شيء من أنسه بربه عز وجل . إحدى عشرة سنة من الجهاد والصبر المتواصل في سبيل اللّه وحده ، هي الثمن والطريق إلى نشأة مدّ إسلامي زاخر عظيم ينتشر في مشرق العالم وغربه ، تتساقط أمامه قوة الروم وتتهاوى بين يديه عظمة فارس ، وتذوب من حوله قيم النظم والحضارات .

--> ( 1 ) فتح الباري : 7 / 156 ، وزاد المعاد 2 / 50 ، وانظر الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد : 20 / 269 .